دمعة ذُرفتْ علي زمان طوي خيمته و رحل

حكاية

قال، وكان يحسن القول ويحسّنه بالاستطراد الأخاذ المشوق وبضحكات محسوبة متقطعة وببعض إشارات موحية:
كان حاج الحسين جارنا رحمه الله، رجلاً قوي البنية فارعاً ممتلأ ذا قبضة هي الحديد بعينه. غنت له حسان بلدتنا ،“حاج الحسين عندو بصاره.. أيدو تقيلي تفتق الطاره”. ومع بسطة الجسم هذه كان راجح العقل حليما رؤوفاً بالضعفاء من الناس وأصحاب الحاجات. ولعل الحسناوات قصدن “بعندو بصاره “،رجاحة العقل تلك، فالبصارة هي التبصر في الأمور وعواقبها، فهو قوي البدن مع رجحان في العقل والروية (قال الراوي سمعت شيخاً مسلماً أمريكياً ،طري العبارة متقنا يفسر قوله تعالي “عزيز حكيم” مثلما سلف آنفاً ،قوي في حكمة لا تجور ولا تجاوز الحد! ولله المثل الأعلي) . لذلك نصبوه رئيساً لمحكمة المنطقة الأهلية لحل النزاعات وهو بهذه الصفة كان أحد وجهاء المنطقة المعروفين. ومن رحمة الله بعباده أن كثيراً من هؤلاء العمالقة الأشداء يجمع الله فيهم خصال الخير فيلجم شدتهم وبطشهم بالرحمة ولين العريكة وإلا كانوا وبالاً على خلقه إن اجتمعت فيهم قوة الأبدان وخصال الشر. وقد ذم الخالق أقواماً جمعوا بين القِوي والجبروت فحكي عنهم بذميم فعالهم: ” وإذا بطشتم، بطشتم جبارين” (الشعراء ١٣٠). قال القرطبي في تفسير ذلك: أي فعلتم ذلك ظلماً. وكان هذا الحسين مع الوجاهة ،متواضعاً يزرع أرضه مثل سائر الناس ويأخذ نوبته في الساقية (الناعورة) كيفما جاءت ليلا أو نهاراً. قال لي إنه كان يفضلها ليلاً يستمتع بالسكون وبضوء القمر في الليالي المقمرات أو في الليالي حالكات الظلمة حيث تتجلي زرقة السماء وجمال النجوم .ولسبب آخر هو أن كثيراً من الزراع كانوا يخشون الليل يظنونه قسمة الجن من الحياة للمعاش والحركة بينما جعل الله قسمة الأناسي في النهار في قوله ” وجعلنا النهار معاشا” ،ويعتقدون في مخلوقات تخرج من النيل تقتات علي لحوم البشر (السحاحير) .فكان كثيرا ما يبادل نوباتهم فيختار الليل يصعد علي الساقية ويرسل من عقيرته جميل المديح النبوي الذي كان رائجاً علي أيامهم إذ كان مجيء المادحين يجعل في القرية مهراجاً يوسع فيه الموسرون علي الناس بالشاي المخلوط بالحليب والسكر وبالزلابية أو ربما رفع الحسين صوته بغناء شجي إذا أقبل السحر وغشيته نسائم الصبا فذكر الأحبة : “يا سديد الراي تعال قول… يوم لماي محبوبي تملي يطول! “! وجدتها فرصة لأكشف سراً ظل يخفيه ويداريه عن نظمه للشعر والغناء لكنه كأنما قد قرأ ما جال في خاطري فقال علي عجل، تعلمت ذلك من جدتي الرسالة! لكني رغم ذلك قلت له : “قالوا كنت تقرض الأشعار وتنسبها إلي غيرك بالقول إنها من نظم (ناس أولي) أي القدماء! فهل صحيح هذا الزعم؟! “تبسم في غبطة ولم يجب وواصل سرده كأنه لم يسمعني، قائلاً:” وإن دب في النفس دبيب من الخوف من رهبة الليل وسكونه، وذلك يقع في القري الوادعة فيجد الإنسان في نفسه وحشة من انقطاع الحركة وغياب الأصوات البشرية، تلوت ما أحفظ من آيات من الذكر الحكيم أبدد بها الخوف واتعهد بها حفظي وكنت اخلو لنفسي أحياناً بالصمت أتأمل ما صنعت يومي ذاك وربما أدرت في رأسي مسألة من مسائل القضاء الموكلة إليّ. ” أثار إهماله لسؤالي عن نظمه الأشعار عنادي وفضولي معاً، فعاجلته بسؤال قريب من ذاك لعلي أظفر بالبوح الذي أريد، فقلت: نظم الأشعار مظنة العشق والعاشقين هل جربت في صباك العشق.؟ صمت الشيخ ثم ضحك برزانة هي من صميم طباعه ثم نظر في الأفق الممتد قائلا: ” الفات مات والمضي لا يعاد ، الله نسأل غفران اللمم! “طار عقلي بعيدا هنيهة أتأمل قوله واتذكر قصصاً سمعتها من أبي عن سرقتهم الحمير ليلاً لغشيان حفلات الأعراس .لكن أبي كثيرا ما كان يقطع روايته بحزم ، ” يا ولد لا تستبد بك الظنون، فقد كنا أطهاراً لا نغارف الحرام . كنا نلعب مع الفتيات لا تسترهن إلا سيور الرحط “الرهط”.
قلت له: يتحدث الناس عن قوتك وصلابة بدنك في شبابك ويظنون فيمن اتصف بذلك أن قلبه لا يعرف الخوف. أفما كنت تخاف وأنت تدور بالساقية في جوف الليل وسط الحقول وعلي جرف النيل؟ قال مبتسماً مَن مِن الناس لا يخاف؟ فقوة البدن إذا اجتمعت معها الشجاعة تعينك علي نظيرك من الناس أو ممن هو أضعف منك بدناً فلا تخشاه لكنها سوي ذلك لا تدفع عنك شر من لا تراه من مخلوقات الله الأخرى . ألم تحدثني مرة عن تخصصك في الطب في علم الجراثيم والمكروبات؟ ماذا تغني قوة البدن عن ذلك؟ قلت ترفدك أحيانا بقوة المناعة؟ قال وهل تجتمعان ضربة لازب؟ قلت ليس بالضرورة. قال خبرت أناساً يفوقونني قوة بدن بقلوب وجلة ، مرعوبة تكاد تقفز من صدورهم فزعاً من كل صيحة!
قلت لم تجبني بعد! قال نعم أخاف مثل سائر الناس وعلي أيامنا كان الإيمان بالسحاحير وبسطوة الجن وبعمل السحرة أضعاف ما عليه الناس اليوم وما أنا إلا رجل من قومي وابن زماني لكن يبدو أن حظي من الخوف كان أقل مما عليه الناس في قريتنا وقد لاحظ ذلك أبي رحمه الله فكان لا يرسل أحدا في الليل إلا أنا وكانت أمه جدتي “الرسالة” شديدة الاعتراض علي ذلك تعد ذلك استهتاراً منه وقلة رحمة وكانت أحيانا تغضب غضباً شديدا إذا بالغ في ذلك لأسباب منها أني ولده الذكر الأكبر جئت بعد أربع من البنات وشقيقي الآخر كان لا يزال صغيراً .وكانت فيّ شقاوة يراها أبي ضرباً من الشجاعة والفتوة. ركلني مرة حماره في جوف الليل حتي أشرفت علي الهلاك وبعدها بأيام قلائل أرسلني لأمر، بعد العشاء، فصاحت جدتي في وجه أبي ،” انت، سيداحمد، الجنا دا ماهو هولك؟” أي أليس هذا الولد من صلبك؟ فكيف دفعك إياه للمهالك؟ وكانت تتبعني خطوات تدعو لي بالحفظ “حفظ المي (الماء )في البير وحفظ السيف في الجفير (أي في غمده ) وتلحق بذلك دعاء الصالحين ، سيدي الحسن وجدها الشريف أبو قرة! . لم يكن أبي قاسياً كما قد يتبادر إلي الذهن بل كان فخوراً بي لكنه كان يري فيّ فارساً يتخلق. كم كان معجباً بالبطولات. كان الآباء، بفعل قسوة الحياة، لا بد أن يصنعوا من الولد رجلاّ بركوب الصعاب. قصصت ذلك علي حفيدتي سهيلة وقد تعلمت في أوروبا هذه القصص قالت لي هذا نوع من الحب يسمونه هناك “الحب الخشن”. ربما يختلج في صدرك سؤال عن موقف أمي من فعال أبي معي. كانت سيدة تتدفق حناناً لكن جدتي الرسالة قد كفتها مؤونة التصدي لأبي. وتعبت جدتي من فعالي التي لا تعرف الخوف فأقنعت نفسها بأن قلبي (عميان) أي لا يقدِّر عواقب ما يصنع فلا جدوي من اعتراضاتها وتشجيع أبي: ” الولد قلبو عميان! يا حفيظ تحفظو!” ) قال الراوي هنا أن حوادث السير المفضية للموت بين الشباب من الجنسين دون الخامسة والعشرين بلغت حدا مزعجاً في الولايات المتحدة الأمريكية بداية هذه الألفية الثالثة فأجريت دراسة بيّنت أن البالغين دون الخامسة والعشرين لا يقدرون حجم المخاطر بدرجة كافية فيقع التهور منهم لذلك حرم تجنيد الأطفال والقصر في الجيوش والمليشيات فجسارتهم واقدامهم في القتال ناجم عن غفلة وتهور! وكذلك تقل لديهم مشاعر الشفقة والتعاطف مع الآخر فيقتلونه بغير رحمة. قلت لقد عميت قلوبهم كما قالت جدة الحسين في جسارته. واقترحت الدراسة يومها رفع سن منح رخص القيادة!) . يوم ماتت أرسلني أبي قريباً من ساعات السحر علي حماره السريع لأبلغ أقارب له في قري مجاورة فتذكرت جزعها وأنها لو كانت علي قيد الحياة لجزعت كل الجزع فبكيت بحرقة وبصوت جهير فبكي أبي لبكائي ولم أره يبكي قبلها قط. لم تكن حنوناً وحسب بل مستودعاً عظيماً للحنان كله. ثم تمتم بصوت خفيض كمن يحدث نفسه بعد أن تأوه: ذهب أمثالها في هذا الزمان الخشن. أما عن سؤالك فإني أخاف مثل سائر الناس لكني أخاف مما هو مخيف حقاً و أتذرع بالصبر وأتستر علي جزعي لأن علانية جزع مثلي يجزع لها سائر الناس! قال ذلك ثم أطرق برهة ونظر إلي سقف السقيفة التي كانت تضمنا ثم تبسم قائلا: في ليلة حالكة الظلام كانت الرياح الهوج التي تداهم بلدنا أوان الفيضان تعصف بباسقات النخل و تدفع مياه النهر لترتطم بالشطآن بقوة عجيبة فيحدث ذلك صوتاً مجلجلاً وكنت أدير الساقية في ذلك العصف الشديد ممسكاً بالحبال التي تشد الثورين الخائفين اللذين يدوران بالساقية وفي ذلك العراك أدخلت يدي في جيبي لاستخرج منديلاً أعصب به فمي وأنفي فقد صعب عليّ التنفس من شدة الرياح فسقط أو قل تطايرت أوراق مهمة تشتمل علي أمانات عندي اتفق أن كانت في جيبي وسقطت ساعة الجيب التي أهداني إياه قاضي المديرية لمساهمتي في حل معضلة بين حيين تنازعا أرضاً زراعية علي النيل نزاعاً كاد ينتهي بقتال، ولعلك تعرفي كلفي بالساعة وكلف كل قاض شعبي مثلي وسقطت معها علبة الكيف (التبغ)الذي دبغ إيهاب فمي وهو لم يزل ينبض بالحياة !والدباغ يكون لجلود الحيوانات بعد ذبحها! تركته في شيبتي والحمد لله ، فسقط ذلك كله أسفل الساقية في بئر ( الجابية -كوديق) نصنعها على حافة النهر تتجمع مياهه فيها لترفعها الجرار الفخارية الصغيرة (القواديس) . وتلك البئر كثيرا ما يتربص فيها التمساح بنا. فأسقط في يدي وتضاعفت رغبتي للتمباك في تلك اللحظة كما تتضاعف كل رغبة إذا عز طِلابها فلم تواتيني الشجاعة على النزول إلي البئر لاستخلاص تبغي وساعتي أما الأوراق فقد ذرتها الرياح. وكنت أحيانا في هدأة الليل يداخلني خوف إذا علت سيقان الذرة في الشتاء وهي حين تفعل تبدو أكواز الذرة كما أتوهمها كرؤوس الشياطين فأتلو ما أحفظ من القرآن فتلامس شغاف قلبي الطمأنينة. ذهب ذلك كله مع فتوة الشباب، وبقي الخوف وأنا فيما تري من ضعف وعجز أحث الخطي نحو دار البقاء، الخوف الذي يعتريني الآن هو أن أكون قد حفت في قضائي وظلمت صاحب حق أو تسببت في تعاسة إنسان أو أرسلت إلي جوفي لقمة حرام! قلت له: ماذا عنيت بوصفك لزماننا هذا بأنه خشن؟ وفيما وصفت آنفاً من حياتكم يؤكد أنها كانت أكثر خشونة من حياتنا اليوم؟ قال بعد صمت متأمل: نعم حياتنا المادية كانت أخشن بكثير . تعمل الأسرة بكاملها لتوفير لقمة العيش. الرجال يعملون في المزارع جل يومهم والساقية تدار علي مدار الساعة لا تتوقف والنساء معنا في الحقول أو في جلب الماء والحطب للوقود والصغار صبية وصبيات يرعون الأغنام. لكننا كنا نستمتع بمذاق اللقمة التي تنتج عن هذا الكد وبالنوم الهنئ عند العشاء، ننام كالصغار الرضع حتي الفجر. حياتكم أيسر في هذا الجانب فخشونة زمانكم في الجانب المعنوي منها حيث تقل فيه مساحات التراحم والرفق والقناعة، وتتنوع في زمانكم الرغائب فيشتد التنافس في الحصول عليها فتتسيد الشحناء والأثرة وحب الذات بسبب ذلك فيبدو السعي كليلاً أو كالكليل الذي يشبع حاجة ويخفق في اشباع أخري فلا يتحقق في النفس الرضا ولعل كل أولئك سيميز حياة الناس في مقبل الزمان. كانت هذه القري التي تراها اليوم ضامرة عجفاء، مكتنزة بالحب والحياة، حراك الناس فيها يجعلها تبدو كخلايا النحل يتقطر شهدها الحلو في كل مكان. كنا لا نخصص أوقاتا للترويح لأننا نصيب كثيراً من المتعة في ثنايا ذلك السعي الحي المبارك. هجرها الناس الآن بحثا عن عيش أرغد في الحواضر البعيدة، فهل وجدوه؟ هز رأسه في حسرة مجيباً علي سؤاله بنفسه: أصابوا بعض الذي ترمي إليه بحديثك لكنهم دخلوا في لهاث جديد يستغرق العمر بلا طائل! ثم قال كالمستدرك: لكن من نعم الله على العباد أن يبقي الخير، في الناس وفي المخلوقات موجوداً وإن قل، مثلما يظل التبر تبراً والتراب تراب حتي قيام الساعة.
ألا رحم الله حاج الحسين وزمانه!

تعليقات الفيسبوك