جورج ويل: الدين والجمهورية الأمريكية

جورج ويل يعد من أبرز المثقفين والإعلاميين الأمريكيين. وصفته يومية وول استريت جيرنال عام ١٩٨٦ بأنه ربما كان ” أقوي اعلامي في الولايات المتحدة” هذا رغما عن أن الاعلام ليس تخصصه فهو خريج فلسفة وتاريخ وحاصل علي دكتوراه في العلوم السياسية. حصل علي الماجستير في جامعة أكسفورد في بريطانيا والدكتوراه في جامعة برنستون في ولاية نيوجرسي في الولايات المتحدة. أهم من ذلك هو أنه أبرز المحافظين الأمريكيين المدافعين عن حرية السوق وتحجيم دور الحكومة والحد من تدخلاتها في منظمات المجتمع المدني بمنطق الأغلبية. وقد كان نجماً ساطعاً في عقد ثمانينيات القرن الماضي حيث كان قريباً من الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريقان. وقد قطع صلته بالحزب الجمهوري في العام ٢٠١٧ احتجاجاً علي صعود دونالد ترامب واعتبر نفسه مستقلاً.
و السطور التاليات من محاضرة له ألقاها في معهد السناتور جون دانفورث في جامعة واشنطن في مدينة سانت لويس في ولاية ميسوري عام ٢٠١٢. والسناتور جون دانفورث هو مبعوث الرئيس بوش الابن للسلام في السودان وهو جمهوري معتدل ومتدين يقود القداس صبيحة الآحاد في كنيسة في مدينة سانت لويس. ولعل دعوة جورج ويل الذي يصنف نفسه كما سيجئ ضمن الأقلية التي لا تدين بدين، من قبل المعهد الذي يحمل اسم زعيم متدين، يضفي إثارة ومغزي كما سنري في السطور التاليات من اقرار المحاضر بضرورة وأهمية الدين في بلد الحداثة والتقدم والرقي الأول في العالم بأسره. والرجل من خلفية كاثوليكية لكنه صرح في بداية المحاضرة إلي أنه من ضمن العشرين بالمائة من الأمريكيين الذين لا يدينون بدين بل وصفته مواقع أخري بأنه من الملحدين لكن ستفاجأ في نهاية المحاضرة كيف انتصر لدور الدين في اطار قناعاته المحافظة المتوجسة مما يشار إليه بالتيار التقدمي في الولايات المتحدة الذي يبني رؤاه علي قناعات هي الأقرب إلي مفهوم دولة الرعاية الاجتماعية في أوروبا الغربية وهي قناعات تبلورت بعد علو كعب النظم الاشتراكية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي كترياق عاصم من التمدد الشيوعي في غرب القارة.( كلمات مثل تقدمي وليبرالي مربكة شيئاً ما في الولايات المتحدة فالتقدمي في أمريكا ليبرالي أيضاً فهو مؤمن بالديمقراطية واقتصاد السوق لكنه يؤمن بدور أكبر للحكومة عبر برامج اجتماعية كرفع الضرائب علي الأغنياء واستخدام عائدها لبرامج لدعم الفقراء وجعل التعليم الجامعي ميسراً للطبقات الوسطي أو ربما مجاناً والحد من سيطرة الشركات الكبرى علي السياسة ودنيا المال. وهناك تيار يدعو لأكثر من ذلك كتيار السناتور اليزابيث ورن و السناتوررينه بيرني المترشح السابق للرئاسة. وللتشهير بهذا التيار والتنفير منه، تطلق عليه نعوتاً مثل الاشتراكيين واليساريين، من قبل خصومهم.)
استهل حديثه بالقول” إن الرئيس دوايت أيزنهاور ذكر في العام ١٩٥٣ وقبل أن تضاف عبارة “تحت رعاية الله” في العام التالي ١٩٥٤، لقسم الولاء للعَلَم الأمريكي، قال إن يوم ٤يوليو، ذكري استقلال أمريكا، يعد بمثابة يوم للصلاة الوطنية.” علق جورج ويل علي المقولة بالقول: ” في صبيحة ذلك اليوم قام أيزنهاور بصيد السمك في الصباح ولعب القولف في العصر والورق في المساء. تري هل تبقي بين إشباع هذه الهوايات مساحة للصلوات؟! ” قال ساخراً “لعله قد فعل عندما اعترضته عوائق متعلقة بتلك الهوايات! ”
وقال ايزنهاور بعد انتخابه بثلاثة أيام رئيساً :”إن شكل حكومتنا لا معني له إن لم يؤسس علي قاعدة عميقة من الإيمان بالدين و لكن لا يهمني ما هو ذلك الدين.” وذكر أن العبارة الأخيرة التي لم تحدد ماهية الدين المقصود، جلبت عليه سخرية مناوئيه لأنها اعتراف منه بعدم اكتراث لما يعنيه بالدين الذي أشار إلي أن الحكومة لا تقوم إلا علي قواعده. لكنه (ويل) عاد ليؤكد أهمية الجزء الأول من مقولة ايزنهار وأنها جديرة دوماً بالتوقف عندها.” بالقول،” من المؤكد أن كثيرا من الأمريكيين وربما غالبيتهم متفقون في أن الديمقراطية وبالتحديد ديمقراطيتنا والتي تقوم على اعتقاد بقدسية الحقوق الطبيعية للإنسان:( حق الحياة وحق الحرية والحق في تحقيق السعادة)، تستلزم الرعاية من عقيدة دينية. والذين يؤمنون بذلك ومنهم ايزنهاور يشيرون إلي ما جاء في اعلان الاستقلال ونصوصه من” أن الخالق قد حبانا بحقوق لا يمكن الحرمان منها.”
ولتقدير دور الدين وحاجة الديمقراطية إليه وبخاصة الديمقراطية الأمريكية طرح جورج ويل سؤالين منفصلين ومتصلين في نفس الوقت، عن دور الدين في السياسة الأمريكية: أولهما سؤال وصفه بالتجريبي( والسؤال التجريبي يستمد إجابته من الواقع المعيش المحسوس) : هل حقاً أن نجاح الديمقراطية يتطلب وجود متدينين يحكمون أنفسهم وفقاً لقيم الدين؟ والسؤال الآخر وصفه بالمنطقي: هل تحتاج الديمقراطية الأمريكية المتميزة والقائمة علي حدود تستمد وجودها (فقط) من الحقوق الطبيعية للمحكومين، بحاجة لمعتقد ديني؟
ويجيب علي السؤالين بالنفي إلا أنه عاد ليقول عن سؤاله التجريبي: ” أعتقد أن الدين ظل مهماً ولايزال مهماً للغاية ومساعد قوي لازدهار ديمقراطيتنا “. وعلل نفيه لضرورة الدين في السؤال الثاني إلي أن الحقوق الطبيعية ليست بحاجة إلي قاعدة دينية تستند إليها ولا أن الآباء الأوائل كانوا متفقين علي الحاجة إليها ومع ذلك فإنه مما لاشك فيه أن الحقوق الطبيعية خصوصاً عندما يقال إنها تقوم علي قاعدة متينة صلبة فإن تلك القاعدة الصلبة هي العقيدة الدينية.
ويستطرد “أقول مجدداً الدين مفيد ومهم ولكنه ليس ضرورياً والكلمة الأخيرة تناقض السائد من التقاليد الأمريكية (أي التي تؤكد دوماً علي أهمية الدين )وسأوضح كي لا يبدو الحديث ضرباً من النفاق والتناقض: التقاليد الأمريكية تتسم بتقسيم العمل وتضع دائماً حدا فاصلاً بين المؤسسات السياسية ومؤسسات منظمات العمل المدني ومنها بخاصة المؤسسات الدينية فالمؤسسات الدينية تلعب دوراً هو غاية الأهمية في حماية وتعضيد محدودية دور الحكومة في حياتنا- فهي تشكل المواطنين وتقف كنظير مقابل في مواجهة جور الدولة. ولذلك فإن المواطنين الحريصين على محدودية دور الحكومة في الحياة العامة يلزمهم أن ينظروا بعين الرضا لدور الدين في أمريكا حتى لو لم يكونوا في زمرة المؤمنين.”
وهنا توقف لتسليط المزيد من الضوء علي هذه النقطة التي تبدو متناقضة منطقياً. قال،” إنني أتناول مسألة الدين والحياة الأمريكية من منصة أقلية فأنا انتم للأقلية التي رصدتها منظمة( بيو) (المتخصصة في الاحصائيات)، الأقلية التي تمثل نحو عشرين بالمائة من الأمريكيين والتي لا تدين بأي دين . لكن اللا انتماء لا يعني ألا تكون هناك حميمية وعاطفة وأنا قد بدأت حياتي العملية في المجال الأكاديمي في واشنطن كمحرر لمجلة (ناشونال ريفيو)التي يحررها ويليام باكلي( وليام باكلي يعد من أبرز المحافظين وله ( مساجلات حامية مع فيدال قور الذي يمثل الطرف الليبرالي النقيض).” قال عن ويليام باكلي إنه كاثوليكي متدين ولكنه ، أي باكلي ،يقر أنه “ليس من الضروري للمحافظ الحق أن يكون متديناً لكن لا يمكن أن يكون معادياً للدين.”( واضح أن السيد جورج ويل يريد التأكيد بأنه رغم عدم انتمائه لدين ألا أنه ليس معادياً للدين والتدين). يقول:” قد يبدو للملحد المتحجر وللموحد المتحجر أن هذا القول لا يصح . ولكن سيرة وفهم آباء أمريكا الأوائل للدين تخذل أولئك وتؤكد صحة مقولة ويليام باكلي.”
يقول إن أحد الآباء وهو السيد بنجامين فرانكلين ،( والذي تجدون صورته علي فئة ال ١٠٠ دولار) ، وهو كاتب ومخترع وفيلسوف ودبلوماسي ونائبا للرئيس في القرن الثامن عشر ،كان علي عقيدة (ديّزم) وهي عقيدة تقول بوجود خالق للكون لكنه أدار ظهره له فلا علاقة له بما يجري فيه. شبه جورج ويل للإبانة تلك العقيدة ” بعَمَة لك أو خالة، فاضلة تعيش بعيدا في استراليا قلما تسمع منها وعنها!” أما جورج واشنطن فلم يروي عنه أنه ركع وعندما وبخه القس علي انصرافه قبل تقديم الوجبة المقدسة(كميونيون) ترك المجي في الآحاد التي تقدم فيها تلك الوجبة المقدسة في الكنيسة، ذلك رغم أنه مجد المسيحية بالقول ،” إن للديانة المسيحية تأثير حميد علي المجتمع ” .وعند وفاته الرواقية لم يحضر طقوسها القساوسة والرهبان.
ولا يزال الكونقرس حتي اليوم يتلوا مقولته كل عام في ذكري ميلاده، ” إن للدين والأخلاق دعم لا غتي عنه للرفاه السياسي. دعونا ننغمس في حذر متشككين في أن يكون بالإمكان الحفاظ علي المنظومة الأخلاقية في غياب الدين.” وأضاف جورج واشنطن القول ” إن العقل والتجربة معاً تمنعاننا من أن نتوقع أن الأخلاق الوطنية يمكن أن تكون لها الريادة في غياب المبادئ الدينية.”
جون آدمز كان موحدا لا يؤمن بعقيدة الثالوث “الأب والابن والروح القدس” وتوماس جيفرسون كذلك. وجيفرسون الذي كتب خطابه الأشهر الذي يدعو فيه لبناء جدار بين الكنيسة والدولة حضر القداس الذي أقيم في الكونقرس بعد يومين من ذلك الخطاب. يقول ويل: لقد حرص الآباء الأوائل بحصافة رجال الدولة علي رعاية واحترام أكثر رغبات الأمريكيين أهمية ،وهي أن يحظى الدين بمساحة مقدرة في الحياة العامة في ذلك الوقت واليوم كذلك وهم مؤمنون وغير مؤمنين لم يتخلفوا عن ذلك.
ويقرر هنا “أن تاريخ أمريكا يحمل ما يشبه التناقض فأمريكا بمعيار الحداثة تأتي علي رأس قائمة الدول بل هي الدولة الأولي علي نطاق العالم كدولة حداثة عصرية ولكنها في ذات الوقت- وبما يربك ويحير علماء العلوم الاجتماعية- أكثر بلد متدين في الوقت الحاضر. وسبب ذلك أننا حررنا الدين من ربقة المؤسسات العامة. لقد ظلت الحماسة الدينية تتأرجح بين الصعود والهبوط في التاريخ الأمريكي لكن بقاء المؤسسات الدينية لمختلف الطوائف المسيحية أبطل تنبؤات توماس جيفرسون الذي قال قبل وفاته بأربع سنوات ” إن أي شاب أمريكي اليوم سيموت غداً موحدا” أي لا يؤمن بعقيدة التثليث والولادة المعجزة للسيد المسيح.” يقول جورج ويل إن ذلك لم يحدث ولا تزال تلك المذاهب التي تقول بذلك موجودة وأنه في العام ١٩٠٨ قال المرشح الديمقراطي للرئاسيات، ويليام جانينقز براين، إن ويليام تافت المرشح الجمهوري لن يفوز لأنه وحد الربوبية. لكن أمريكا تثاءبت وفوزت تافت بالرئاسة.
(ويتضح من نبؤات الآباء الأوائل أنهم قد تأثروا بفكر عصر التنوير). قال السيد ويل إن البروتستانية التي ألغت الوساطة بين العبد والله وأكدت قداسة الفردانية قد عضدت منها أفكار عصر التنوير وأن أمريكا في عصر الآباء ربما كانت مدينة لجون لوك أكثر منها للسيد المسيح. ويبدو ذلك الأثر في قوة لاهوت وحدة الربوبية ّ (ينالاترزم) التي تلغي التثليث وتؤكد علي مكانة العقل وكذلك لمفهوم الإله الخالق الذي أدار ظهره لما يفعل الناس بالعالم الذي خلقه لهم (ديّزم). لذلك جاءت النبوءات متماهية مع روح العصر فاستشرفوا عهداً تنتصر فيه الحداثة في نهاية المطاف تأثرا بنظرية التطور أيضاً. لذلك فإن النائب الديمقراطي ،أيقونة التحرريين الديمقراطيين ،حتي تسعينيات القرن المنصرم، دانيال باتريك مونيهان قد توقع انتصار التحررية التقدمية فيما أسماه ب (التوقع الليبرالي) أو الحداثي كما يراه في النهاية المطاف. لكن جورج ويل يقول: تلك عقيدة الكثيرين من المثقفين والمفكرين اليوم وهو توقع يراهن علي تطور العلوم (التطبيقية والتكنولوجيا) وتراجع الغيبيات بفعل ذلك مما سيؤدي لزوال فكر ونظم عالم ما قبل الحداثة وبخاصة الدين والعرقيات كأهم مكونين. يقول لكن الواقع يكذب ذلك التوقع في كل يوم وفي كل بقعة في العالم. فعنفوان الدين والعرقية وبالذات الدين الذي يكتنف العرقية بحيث لا فكاك لها منه لا يزالان يقودان خطي التاريخ. ثم يستطرد الرجل اتساقاً مع رؤاه المحافظة في سرد أسماء المفكرين والمصلحين الذين ابتدروا تعظيم الخصوصية الفردية من لدن المصلح الديني الألماني مارتن لوثر في القرن السادس عشر حيث أبطل التراتبية الكنسية الوسيطة بين العباد ورب العباد وأثبت في المسيحية أن لا وسيط بين العبد وبين خالقه ثم ذكر معاصره نيكول ميكافلي ومر علي توماس هوبس ورينو ديكارت الذي رد المعرفة إلي الذات الفردية ” أنا أفكر إذن أنا موجود!”. واستخلص من تعظيم هوبس للاستبداد قاعدة بني عليها الآباء المؤسسون لأمريكا نظام الحكم فيها. قال إن الأوائل كانوا يصممون نظم الحكم علي الفضائل الإنسانية ويستحضرون في ذلك نماذج فضلاء الناس .إلا أن هوبس الفيلسوف يبني بناءه علي قاعدة ” وأشربت الأنفس الشح” وأن الناس أنانيون تحركهم مصالحهم الضيقة ولكن لأنهم يعلمون أن صراع الأفراد من أجل المصالح الخاصة بكل فرد منهم مدمر للكل ، فإنهم يرتضون قوة غاشمة مستبدة تحفظ النظام وتحميهم من الفناء. قال ذلك ما فعله جيمس ماديسون الذي وصفه بأنه أكثر أولئك الآباء حكمة وروية حينما رأي أن أخطر شيء علي الجمهورية الجديدة هو الاستبداد وأن الاستبداد يأتي في النظم الديمقراطية المباشرة . ويحدث الاستبداد في نظم الديمقراطية المباشرة (ديمقراطية جان جاك روسو)بتغليب منطق الأغلبية الميكانيكية لذلك فرق ماديسون ( وقد أصبح رئيساً لدورتين) بين الديمقراطية النيابية التي ينتخب فيها الناس ممثلين عنهم وبين الديمقراطية المباشرة( pure democracy ) حيث يصوت الناس مباشرة لصنع القوانين لكن في النظام الفيدرالي المترامي الأطراف يختارون ممثلين عنهم لصناعة ذلك . وفي الديمقراطية المباشرة يحتشد أصحاب المصالح المتشابهة في أحزاب وكيانات وهي أيضاً عرضة للفساد والرشا ،فيقيمون دكتاتورية الأغلبية التي تحرم علي الأقلية الوصول للسلطة. لكن في نظام فيدرالي تتعدد المؤسسات وتقوِّم بعضها بعضاً بالاعتراض والمراجعة وتقل قوة مجرد الأغلبية لذلك جاءت حكاية الكليات الانتخابية والقوانين الولائية وهكذا. يقول تلك ثورة ماديسون الإصلاحية للديمقراطية.
ويستدرك السيد ويل قائلاً لم يكن ماديسون وبقية المؤسسيين يفترضون أن أمريكا يمكن أن تزدهر دون وجود دوافع خيرة تتمظهر في الشخصية السوية.” الآباء الأوائل لم يكونوا أغبياء ليتصوروا أن الحرية يمكن أن تبقي وتزدهر دون وجود التعليم المناسب ومغذيات الشخصية السوية الأخرى .كانوا يدركون أن التعليم ليس قاصراً علي التلقي من المدارس وإنما مصادره من كل مؤسسات المجتمع المدني التي توضح للناس قيمة الحرية وتحصن المواطنين بالقيم التي تتطلبها الحرية. تلك القيم تشمل المثابرة والتحكم في الذات والتوسط والمسؤولية والدين مصدر هام لتلك القيم.”
عرج بعد ذلك علي “تقدمية” الرئيس ودرو ويلسون (حكم لدورتين منذ ١٩١٢) الذي تأثر ،كما قال، ويل بزحف تطورية شارلس دارون علي علوم الاجتماع فانتقد الدستور الذي وضعه الآباء الأوائل الذي أقام حكومة ساكنة محدودة الصلاحيات ورأي أن سنن التطور تستلزم أدواراً أكبر للحكومة الحديثة. وذهب إلي أن مثل تلك الحكومة التي تريد التدخل في كل شأن في الحياة ، من شأنها أن تضعف الدين وأن تحيل الحياة إلي مجرد رغائب حسية تشبع علي حساب الأخيلة والفنون والتصورات غير المحسوسة. ويقول إن غير المؤمنين مثله يخشون أن تتلاشي مع فكرة الحكومة الحديثة العصرية، الحكومة محدودة الصلاحيات ومعها المجتمع المدني وفي صلبه المؤسسات الدينية التي ستؤول للحكومة. ذلك تهديد حقيقي لحيوية المجتمع ورفاهيته وسعادته.
وهنا أورد عبارة لمحافظ آخر معروف هو (ايرفن كريستول) وهو يهودي لا يؤدي الشعائر يقول إنه أميل للارتباط بعالم غيبي مقدس. قال “إن المجتمع بحاجة إلي أكثر من مجرد نساء ورجال عقلاء إذا أراد الازدهار. إنه بحاجة إلي طاقات تخيلية خلاقة كالتي يعبر عنها الدين والفنون. إنها أساسية بالنسبة لحياة كل مواطنينا كما أنها كذلك بالنسبة لكل البشر وفي كل الأزمان لأنها ترتفع بهم إلي عالم ورائي وفوقي، عالم هناك يعطي للتجربة الإنسانية معني. ليس أقسي وأضر بإنسانية الإنسان من أن يعيش حياة هي مجرد حدث عبثي بلا معني في عالم بلا معني. يقول السيد (ويل) نحن (في أمريكا) نقترب من هذه الحال ذات الشعور العبثي لأمتنا، منطقة خطرة لم تختبر بعد. إن أوروبا تعيش الآن تجربة فقد الدين فيها قوة دفعه علي نطاق واسع ونتائج ذلك ليست جذابة.
يبدو أن الناس لو استبطنوا العالم كحدث للانفجار الكبير (بق بانق) قد يتساءلوا مع المغنية بيقي لي: هل هذا كل ما هناك؟
إن انعدام البعد الغيبي والقصد من الخلق يلجئ الانسان لملء حياته بأقصي ما يستطيع تحقيقه من الملذات والرغبات للتخلص من ملل حياة بلا معني! وربما ساقهم ذلك للانغماس في سياسة تمنحهم بديلا زائفاً بالتسامي فوق واقعهم الممل.
لقد تعلمنا من تجربة القرن المغموس في الدماء، القرن العشرين، النتائج السياسية لهذا الشعور ، شعور العبثية ،الخواء المعنوي للحياة. (لحياة عديمة المعني المفتقرة للقصد والغاية في بعدها الروحي).إن طبيعتنا السياسية ترفض الفراغ. ذاك الفراغ ملأته حروبا عقائد علمانية كالشيوعية والفاشية. الفاشية أعطت معتنقيها معني للحياة بالقتال من أجل مصائر العرقية العنصرية بينما أعطت الشيوعية معتنقيها معني المساهمة في دراما اسكالوجيا (العلم الأخروي الأخير) في إنفاذ حتمية التأريخ.
يقول للمفارقة السياسية إن الحداثة جاءت لتوقف الحروب الدينية الدموية : لكن لا توجد سابقة للدماء المسكوبة أكثر من تلك المسكوبة في القرن العشرين بفعل العقائد العلمانية السياسية.
اختتم جورج ويل مقالته بالقول (يعني استناداً إلي ما تقدم): ” وعليه، فإننا ،أعني حتي نحن الذين عدتنا الإحصاء ات في عداد غير المنتمين لدين، وربما نحن علي وجه الخصوص، نتوق لتبقي أمانينا وبقوة داعمة لبقاء المؤسسات الدينية التي جمّلت وزانت الحياة الأمريكية. إننا معشر الأمريكيين لو بذلنا الجهد في البحث في عالم الأخلاق والأفكار بذات القوة والتركيز الذي نفعله في البحث في العالم الطبيعي الفيزيائي فإننا سنبقي ونزدهر. سنبقي لمدي أطول ويكمن السبب الرئيس في الفصل بين المؤسسات السياسية والمؤسسات المدنية والتي تشمل وبصفة خاصة المؤسسات الدينية والتي تتوسط بين المواطن والدولة وبذلك تجعل الحرية ممكنة وباقية.”
والخلاصة في مقالة جورج ويل، الذي لا يلزم بالطبع أن تتفق معه في رؤاه وتحليلاته كما لا نفعل نحن أيضاً ، لكن الشاهد فيما ذهب إليه أن الدين من واقع تجربة أمريكا ظل باقياً قوياً حسب كل التحليلات والاستطلاعات يؤمن به وبدوره نحو ثمانين بالمائة من الأمريكيين ومع ذلك ظلت أمريكا في طليعة دول العالم لأكثر من قرن كامل حتي الآن ، رمزا للحداثة والرقي والتقدم لم يقف الدين حائلاً دون تحقيق ذلك . وعليه يلزم البحث في علل التخلف والمسغبة وانتظار عطايا المحسنين في ميدان آخر غير ميادين الدين والأخلاق الفاضلة الحميدة التي ظل يغذيها ويرعاها.
——————-
*الأهلة في ثنايا المقالة أكثرها لكاتب المقالة بغرض التبيان وما عداها لجورج ويل وبعضها نصاً بين مزدوجتين.

تعليقات الفيسبوك